منذ حادث تفجير مقر البوليس الفيدرالي في "اوكلاهوما " وما تبعه من إحداث دامية وما تلاهما من سقوط في الشرق الأوسط ، يبدو واضحا انه أعاد إلى أمريكا ذاكرتها التي عصفت بها نشوة الحروب التي قامت بها لسنوات عدة في العالم الخارجي بحثا عن المزيد من الهيمنة والنفوذ ..وبالتالي لم يعد لأمريكا بعد هذه الانفجاريات المروعة ما يمكن ان تدعيه ضد الآخرين.. بل ان ظاهرة الانفجاريات هذه و التي جاء بعضها من داخل المؤسسة العسكرية لا يمكن اعتبارها ظاهرة مقطوعة عن تلك الأورام التي أصابت في الصميم المؤسسات الأمريكية، فالظاهرة هذه هي بالتأكيد إبراز لظاهرة التآكل للبنى الاجتماعية للمجتمع الأمريكي، وللتناقضات الحادة التي تعيشها على المستوى السياسي والحضاري و قد نبه إلى هدا التآكل وما يتبعه من مشاكل وزير العدل الأمريكي السابق’ "جيمي كلارك"وهذا الأخير حذر من قبل من عواقب حرب الخليج على السياسة الأمريكية قبل حدوثها، لكن أمريكا بقيادة’ "جورج بوش الأب "وقتها حاولت إن توجه رسالة واضحة لأوروبا وروسيا ومنظمة شانغهاي بالخصوص من خلال هذه الحرب. واستطاعت فعلا ان تظهر لأوروبا واليابان على أنها قادرة على التحكم في شرايينها من خلال مراكز النفط والتي لا يمكن لأوروبا واليابان الاستمرار في الحياة من غيرها. لكن هذه النظرة وصفت سياسة أمريكا بالراديكالية غير المنتجة والتي اتسمت بها أمام احتمالات المواقف الخاطئة. وبالفعل فهنالك اليوم ردة واضحة في المواقف الأوروبية التي ساندت أمريكا في عدوانها على العالم وخاصة العراق وهذه المواقف وان كانت غير بادية بشكل واضح فإنها بدأت تتفاعل مع الواقع السياسي الأوروبي عوض تفاعلها كما كان قبل مع الرؤية الأمريكية وقد أفصحت عنها في فرنسا في إحداث التجسس الأمريكي على الأماكن الحساسة الفرنسية قبل بداية الحملة الانتخابية الفرنسية في عهد ساركوزي فضلا عن التفسيرات الأمريكية للموقف الفرنسي من حرب البلقان ومن الوحدة الأوروبية.. فأمريكا ترى أن موقف فرنسا في البلقان هو خط عدائي للمسلمين في البوسنة والهرسك.. و هو موقف تاريخي معاد لأمريكا كما إنها ترى أن موقف فرنسا من طلب تأسيس جيش أوروبي نواته الأولى من جيش ألماني فرنسي موقف عدائي للموقف الأمريكي ومن النواة الأولى التي أنشأتها أمريكا للنظام الدولي الجديد ، والتي ركزت بها القيادة الأحادية للعالم وللمؤسسات دولية ، فكان فيها لأمريكا وحدها الحيز المهم في القيادة للعالم لكن تلك القيادة حوصرت بعد سقوط ليبيا لان الروس والصين تأكد لديهما كذب أمريكا وما ترجوه من وراء ذلك..فجاء الفيتو المزدوج (الصيني الروسي) ضربة قاسية لأمريكا وحلفائها ، وبدا من ذلك ان الصراع لم يعد من اجل اقتسام النفوذ بل من اجل عالم متعدد الأقطاب.
بقلم: محمد لواتي